الشيخ محمد رشيد رضا

191

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

« واعلم أنه لا خلاف في الاخذ بالعلة إذا كانت منصوصة ؛ وانما اختلفوا هل الاخذ بها من باب القياس أم من العمل بالنص ؟ فذهب إلى الأول الجمهور ، وذهب إلى الثاني النافون للقياس - فيكون الخلاف على هذا لفظيا . وعند ذلك يهون الخطب ويصغر ما استعظم من الخلاف في هذه المسألة . قال ابن فورك : ان الأخذ بالعلة المنصوصة ليس قياسا وانما هو استمساك بلفظ نص الشارع ، فان لفظ التعليل إذا لم يقبل التأويل عن كل ما تجري العلة فيه كان المتعلق به مستدلا بلفظ قاض بالعموم . » اه أقول : ان بعض الناس لا يعد كل تعليل في النصوص من قبيل العام فيجري كل ما تحققت فيه العلة مجرى افراد العام في حكمه ؛ فالخلاف بين هؤلاء وبين الذين ينوطون الاحكام بالعلل المنصوصة حقيقي لا لفظي ، سواء كانوا يسمون ذلك عملا بالنص أو قياسا ، وانما الخلاف اللفظي بين هذين الفريقين المتفقين على تحكيم العلل المنصوصة . وابن تيمية وابن القيم من علماء الأثر انما يوافقان الجمهور على اثبات القياس بهذا المعنى ؛ ويريان انه بهذا المعنى داخل في مفهوم كلمتي العدل والميزان . وهذا حق ، ومن مقتضاه انه خاص بأحكام المعاملات دون العبادات المحضة ، فان العبادات قد استوفتها النصوص وبينتها السنة العملية فلا وجه للزيادة فيها أو النقص منها ، ولا لإيقاع شيء منها على غير ما كان عليه النبي ( ص ) وأصحابه . قال حذيفة ( رض ) : كل عبادة لم يتعبدها أصحاب رسول ( ص ) فلا تعبّدوها . والآثار عن الصحابة والتابعين وغيرهم من علماء السلف الصالحين في هذا كثيرة . ومن تتبع ما زاده بعض الفقهاء في أحكام العبادات بالقياس عما كان عليه أهل الصدر الأول لم ير لشيء منه حجة قيمة ولا قياسا صحيحا ( بحث في التزام النصوص في العبادات ، واعتبار المصالح في المعاملات ) تمهيد في مذهب مالك في ذلك كان الامام مالك بن أنس من أشد علماء السلف تشديدا في اتباع السنة ، وتدقيقا في انكار البدع والمحدثات في الدين ، حتى أنه أنكر على عبد الرحمن بن